ابن العربي

499

أحكام القرآن

فالنجوى خلاف هذين الأصلين ، وبعد هذا فلم يكن بدّ للخلق من أمر يختصّون به في أنفسهم ، ويخصّ به بعضهم بعضا ، فرخص في ذلك بصفة الأمر بالمعروف ؛ والحثّ على الصدقة ، والسعي في إصلاح ذات البين . إذا ثبت هذا الأصل ففيها أربع مسائل : المسألة الأولى - قوله تعالى : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ : يحتمل أن يكون النّجوى مصدرا ، كالبلوى والعدوي ، ويحتمل أن يكون اسما للمنتجين كما قال « 1 » : وَإِذْ هُمْ نَجْوى . فإن كان بمعنى المنتجين فقوله : إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ استثناء شخص من شخص ، وإن كان مصدرا جاز الاستثناء على حذف تقديره : إلا نجوى من أمر بصدقة . المسألة الثانية - في صفة النجوى : ثبت عن ابن عمر أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد . واختلف في ذلك على أربعة أقوال : الأول - ما جاء في الحديث الصحيح : فإن ذلك يحزنه ، وهو ضرر ؛ والضرر لا يحلّ بإجماع ، وبالنص : لا ضرر ولا ضرار . الثاني - أنّ ذلك كان في صدر الإسلام حين كان الناس بين مؤمن وكافر ومنافق ومخلص ، حتى فشا الإسلام فسقط اعتبار ذلك . الثالث - أنّ ذلك في السفر حيث يتوقّع الرجل على نفسه من حيلة لا يمكنه دفعها . الرابع - أنه من حسن الأخلاق وجميل الأدب ؛ وهو راجع إلى الأول . والصحيح بقاء النهى وتمادى الأمر وعمومه في الحضر والسفر . والدليل عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث . مخافة أن يحزنه . وأيضا فإنّ ابن عمر كان يمشى مع عبد اللّه ابن دينار ، فأراد رجل أن يكلّمه فدعا رابعا ، وأوقفه مع عبد اللّه بن دينار ريثما تكلّم الرجل . المسألة الثالثة - قال ابن القاسم عن مالك : لا يتناجى ثلاثة دون - يعنى أربع « 2 » ، وهذا صحيح ؛ لأنّ العلة إذا علمت بالنظر اطردت حيثما وجدت ، وتعلّق الحكم بها أينما كانت .

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، آية 47 ( 2 ) في ا : رابعا .